أحمد زكي صفوت

9

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

غطاؤها ، وأشرقت أرضها وسماؤها ، وطلعت الشمس من مطلعها وبزغ القمر من مبزغه ، وأخذ القوس باريها ، وعاد السهم إلى النّزعة « 1 » . ورجع الحق إلى نصابه « 2 » ، في أهل بيت نبيكم ، أهل الرأفة والرحمة بكم والعطف عليكم . أيها الناس : إنا واللّه ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجينا ، ولا عقيانا « 3 » ، ولا نحفر نهرا ، ولا نبنى قصرا ، وإنما أخرجنا الأنفة من ابتزازهم حقّنا ، والغضب لبنى عمنا ، وما كرثنا « 4 » من أموركم ، وبهظنا من شئونكم ، ولقد كانت أموركم ترمضنا « 5 » ونحن على فرشنا ، ويشتد علينا سوء سيرة بنى أمية فيكم ، وخرقهم بكم ، واستذلالهم لكم ، واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم ، لكم ذمة اللّه تبارك وتعالى وذمة رسوله صلى اللّه عليه وسلم وذمة العباس رحمه اللّه أن نحكم فيكم بما أنزل اللّه ، ونعمل فيكم بكتاب اللّه ، ونسير في العامّة منكم والخاصّة بسيرة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، تبّا تبّا لبنى حرب بن أمية وبنى مروان ، آثروا في مدتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة ، والدار الفانية على الدار الباقية ، فركبوا الآثام ، وظلموا الأنام ، وانتهكوا المحارم ، وغشوا الجرائم ، وجاروا في سيرتهم في العباد ، وسنّتهم في البلاد ، التي بها استلذوا تسربل الأوزار ، وتجلبب الآصار « 6 » ، ومرحوا في أعنّة المعاصي ، وركضوا في ميادين الغىّ ، جهلا باستدراج اللّه ، وأمنا لمكر اللّه ، فأتاهم بأس اللّه بياتا وهم نائمون ، فأصبحوا أحاديث ، ومزّقوا كل ممزّق ، فبعدا للقوم الظالمين ، وأدالنا « 7 » اللّه من مروان ، وقد غرّه باللّه الغرور ، أرسل لعدو اللّه في عنانه ، حتى عثر في فضل خطامه ، فظن عدو اللّه أن لن نقدر عليه ، فنادى حزبه ، وجمع مكايده ، ورمى بكتائبه ، فوجد أمامه ووراءه ، وعن يمينه وشماله ، من مكر اللّه وبأسه

--> ( 1 ) جمع نازع : وهو الرامي يشد الوتر إليه ليضع فيه السهم ، وصار الأمر إلى النزعة أي قام بإصلاحه أهل الأناة ، وعاد السهم إلى النزعة : رجع الحق إلى أهله . ( 2 ) أصله . ( 3 ) ذهبا . ( 4 ) كرثه الغم كضرب ونصر : اشتد عليه كأكرثه . ( 5 ) أرمضه : أوجعه وأحرقه ، وأرمض الحر القوم : اشتد عليهم فآذاهم . ( 6 ) جمع إصر كحمل وهو الذنب . ( 7 ) نصرنا عليه .